أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

139

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وقد ردّ بعضهم قول الفراء بأن نون « من » لا تحذف ، إلّا ضرورة ، وأنشد : 2742 - . . . * . . . ملكذب « 1 » الثالث : أن أصلها « لما » بالتخفيف ، ثم شددت ، وإلى هذا ذهب أبو عثمان ، قال الزجاج : وهذا ليس بشيء ، لأنا لسنا بنقل كان على حرفين ، وأيضا فلغة العرب على العكس من ذلك يخففون ما كان مثقلا نحو : في « رب » . « وقيل في توجيهه : إنه لمّا وقف عليها شددها » ، كما قالوا : رأيت فرجا وقصبا ، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف ، وفي هذا نظر ، لأن التضعيف إنما يكون في الحرف إذا كان آخرا ، والميم هنا حشو ، لأن الألف بعدها ، إلّا أن يقال : إنه أجرى الحرف المتوسط مجرى المتأخر كقوله : 2743 - مثل الحريق وافق القصبّا « 2 » يريد : القصب ، فلما أشبع الفتحة تولدت منها ألف ، وضعف الحرف ، وكذلك قوله : 2744 - ببازل وجناء أوعيهلّ « 3 » شدد اللام مع كونها حشوا بياء الاطلاق ، وقد يفرق بأن الألف والياء في هذين البيتين في حكم الطرح ، لأنهما نشآ من حركة بخلاف ألف « لما » فإنهما أصلية ثابتة ، وبالجملة فهو وجه ضعيف جدا . الرابع : أن أصلها « لمّا » بالتنوين ثم بنى منه « فعلى » فإن جعلت ألفه للتأنيث ، لم تصرفه ، وإن جعلتها للإلحاق صرفته ، وذلك كما قالوا في « تَتْرا » بالتنوين وعدمه ، وهو مأخوذ من قولك : لممته أي : جمعته ، والتقدير : وإن كلا جميعا ليوفينهم ، ويكون جميعا فيه معنى التوكيد لكل ، ولا شك أن « جميعا » تفيد معنى زائدا على « كل » عند بعضهم . قال : ويدل على ذلك قراءة من قرأ « لكما » « بالتنوين » . الخامس : أن الأصل « لمّا » بالتنوين أيضا ، ثم أبدل التنوين ألفا وقفا ، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف ، وقد منع من هذا الوجه أبو عبيد ، قال : لأن ذلك إنما يجوز في الشعر ، يعني : إبدال التنوين ألفا وصلا إجراء له مجرد الوقف ، وسيأتي توجيه قراءة « لمّا » بالتنوين بعد ذلك . وقال أبو عمرو بن الحاجب : استعمال « لما » في هذا المعنى بعيد ، وحذف التنوين من المنصرف في الوصل أبعد ، فإن قيل : « لما » فعلى من اللمم ومنع الصرف ، لأجل ألف التأنيث ، والمعنى فيه مثل معنى « لما » المتصرف فهو أبعد ، إذ لا يعرف « لما فعلى بهذا المعنى ، ولا بغيره ، ثم كان يلزم هؤلاء أن يميلوا لمن أمال ، وهو خلاف الاجماع وأن يكتبوها بالياء ، وليس ذلك بمستقيم . السادس : أن « لما » زائدة ، كما تزاد « إلّا » قاله أبو الفتح وغيره « 4 » ، وهذا وجه لا اعتبار به ، فإنه مبني على وجه ضعيف أيضا ، وهو أن « إلّا » تأتي زائدة . السابع : أن « إِنْ » نافية بمنزلة « ما » ، و « لَمَّا » بمعنى « إلّا » ، فهي كقوله : إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها « 5 » ، أي : ما كل نفس إلا عليها ، و إِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ « 6 » ، أي : ما كل ذلك إلا متاع ، واعترض على هذا الوجه

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) لم نعثر عليه . ( 3 ) البيت لمنظور بن مرثد القفعسي وهو من شواهد الكتاب ( 4 / 170 ) ، شرح شواهد الشافية ( 4 / 246 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 9 / 68 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 267 ) . ( 5 ) سورة الطارق ، آية : ( 4 ) . ( 6 ) سورة الزخرف ، آية : ( 35 ) .